بصيرتي.

«أسرع لو عملتها بنفسي» — الجملة التي تحبس القائد في مكانه

2026-07-28 · 5 دقائق قراءة

تعرف هذا المشهد: هاتفك لا يهدأ، وكل قرار — كبيراً كان أو تافهاً — ينتظر ردّك، وأنت آخر من يغادر المكتب. حين تشتكي من الضغط تسمع نصيحة واحدة مكررة: «فوّض». فتجيب بالجملة نفسها في كل مرة: أنا أسرع لو عملتها بنفسي.

والمزعج أن جملتك صحيحة. أنت فعلاً أسرع. المشكلة أنها صحيحة مرة واحدة فقط، وأنت تبني عليها قراراً يتكرر كل أسبوع لسنوات.

الحسبة التي يقرأها القادة خطأً

افترض أن المهمة تأخذ منك عشرين دقيقة، وأن تعليمها لشخص آخر يكلّفك ساعتين ومراجعة أولى مرهقة ونتيجة أضعف في المرة الأولى. القرار يبدو محسوماً: نفّذها بنفسك.

لكن هذه حسبة صفقة واحدة، والمهمة ليست صفقة واحدة. إن تكررت أسبوعياً فأنت تسترد الساعتين خلال ستة أسابيع، ثم تربح عشرين دقيقة كل أسبوع بعدها إلى ما لا نهاية. الفارق الحقيقي ليس بين عشرين دقيقة وساعتين، بل بين استثمار يُسدَّد مرة وتكلفة تُدفع أبداً.

من يحسب الصفقة الأولى وحدها يتخذ القرار الصحيح اليوم والقرار الخاطئ على مدى سنة. وهذا وحده يفسّر لماذا يظل قادة أذكياء عالقين في مهام كان يجب أن تغادر مكاتبهم منذ سنوات.

إعلان
مكان إعلانslot: article_midيظهر الإعلان الحقيقي بعد قبول AdSense

ما الذي تحميه فعلاً حين ترفض أن تفوّض؟

لو كانت المسألة حساباً لانتهت عند الفقرة السابقة. لكن الحسبة ليست السبب، بل الغطاء المهذّب لسبب أعمق: أن تكون ضرورياً شعور ممتاز.

حين يتوقف كل شيء بغيابك تحصل على دليل يومي متجدد على أنك تصنع فرقاً. وهذا الدليل مغرٍ إلى حد أن كثيرين يحمونه دون أن ينتبهوا — يشتكون من الازدحام حول مكاتبهم ويرتّبون بيئتهم بحيث يستمر.

وتحته سؤال أكثر إزعاجاً: إن مضى الفريق بكفاءة وأنا غائب، فما وظيفتي أصلاً؟ الإجابة أنك انتقلت من منفّذ ممتاز إلى قائد فعلي — لكن هذا الانتقال لا يبدو ترقية في اللحظة، بل يبدو فراغاً. وأغلب من يرفض التفويض إنما يهرب من هذا الفراغ لا من ضعف فريقه.

تفويض المهمة ليس تفويض القرار

هنا يقع الخطأ الأكثر شيوعاً عند من يحاول فعلاً. تسلّم المهمة وتحتفظ بكل قرار داخلها: أي أداة تُستخدم، وأي ترتيب يُتبع، وأي بديل يُختار عند أول عقبة. النتيجة أنك لم تعطِ الشخص مسؤولية، بل استأجرت يدين تنفّذان دماغك أنت.

ثم تأتي الشكوى المعتادة: «جرّبت التفويض وفشل». وهو لم يفشل — لأنه لم يحدث. ما حدث أنك وزّعت تنفيذاً واحتكرت حكماً، فبقيت أنت عنق الزجاجة كما كنت، وأضفت خطوة انتظار بينك وبين العمل.

الأوضح عملياً أن تحدد مستوى الصلاحية صراحةً في كل مهمة، بثلاث درجات فقط: «نفّذ ثم أخبرني» للمهمة الجديدة، و«قرر ثم أخبرني» حين تثبت الكفاءة، و«قرر ولا حاجة لإخباري» لما صار روتيناً. أغلب التوتر بين القادة وفرقهم سببه أن الطرفين لم يتفقا يوماً على الدرجة المقصودة، فافترض كلٌّ منهما درجة مختلفة.

اختبار الأسبوع

هناك مقياس واحد لا يجامل: ماذا يحدث لو غبت أسبوعاً كاملاً بلا هاتف؟

إن تعطّلت أمور كثيرة تنتظر عودتك، فهذه ليست شهادة على أهميتك بل تشخيص لخلل بنيته أنت. الفريق الذي يتوقف بغياب قائده فريق لم يُمنح يوماً حق القرار، ولا يمكن لأحد أن يتعلم القرار وهو ممنوع منه.

لكن قبل أن تسارع إلى العلاج، انتبه إلى أن الخطأ له اتجاهان لا اتجاه واحد. هناك من يخنق فريقه بالتدقيق في كل تفصيلة، وهناك من يترك الحبل كله باسم الثقة فيغيب عن فريق يحتاج اتجاهاً واضحاً. الاثنان ينتجان فريقاً لا ينمو، لسببين متعاكسين تماماً، ووصفة أحدهما سمّ للآخر.

ولهذا فإن أول خطوة ليست قراءة نصيحة عامة في القيادة، بل معرفة أين تقف أنت على هذا الخط — وهو أمر يصعب تقديره من الداخل، لأن ما تراه نيةً حسنة يصل إلى فريقك سلوكاً له معنى مختلف تماماً.

اعرف نمطك في القيادة كما يراه فريقك لا كما تراه أنت — في ١٠ مواقف إدارية:
🎖️ ما نمطك في القيادة؟ ١٠ أسئلة · ٣ دقائق ابدأ
إعلان
مكان إعلانslot: article_topيظهر الإعلان الحقيقي بعد قبول AdSense

اقرأ أيضاً

🍂
لماذا تنطفئ الصداقات بعد الثلاثين دون أن يحدث خلاف؟
5 دقائق قراءة
🌪️
لماذا تتصرف تحت الضغط بطريقة لا تشبهك؟
4 دقائق قراءة
🧠
لماذا نتخذ قرارات نعرف مسبقاً أنها خاطئة؟
4 دقائق قراءة
هذا الاختبار لأغراض الترفيه والتسلية فقط، ولا يُعد تشخيصاً نفسياً أو طبياً أو استشارة مهنية.